محمد حسين هيكل

246

حياة محمد ( ص )

اليهود ، وخرج من حصن تاعم يريد منازلة المسلمين ؛ فدحره بنو الخزرج واضطروه أن يرتد إلى الحصن على أعقابه . وضيق المسلمون الحصار على حصون خيبر واليهود يستميتون في الدفاع إيمانا منهم بأن هزيمتهم أمام محمد هي القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب . وتتابعت الأيام فبعث الرسول أبا بكر إلى حصن ناعم كي يفتحه ، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن . وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة ، فكان حظه كحظ أبي بكر . فدعا الرسول إليه عليّ بن أبي طالب ، ثم قال له : خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح اللّه عليك . ومضى عليّ بالراية ، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم ، فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده ، فتناول عليّ بابا كان عند الحصن فتترّس به فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الحصن ثم جعل الباب قنطرة اجتاز المسلمون عليها إلى داخل أبنية هذا الحصن . وإنما سقط حصن ناعم بعد أن قتل قائده الحارث بن أبي زينب ، مما يدل على استماتة اليهود في القتال واستماتة المسلمين في الحصار وفي الهجوم . وبعد حصن ناعم فتح المسلمون القموص بعد قتال شديد ، وبعد أن قلّت المؤونة عندهم قلّة توجه بسببها جماعة منهم يشكون إلى محمد أمرهم ، ويطلبون إليه ما يسدون به رمقهم ؛ فلم يجد شيئا يعطيهم إيّاه ، وأذن لهم في أكل لحوم الخيل . وقد رأى أحد المسلمين قطيعا من الغنم يدخل إلى أحد حصون اليهود ، فاختطف منه شاتين فذبحوهما وأكلوها . على أنه بعد أن تم لهم فتح حصن الصّعب بن معاذ قلّت حاجتهم ، أن وجدوا فيه طعاما كثيرا مكن لهم من متابعة قتال اليهود وحصارهم في سائر حصونهم . واليهود أثناء ذلك كله لا يسلّمون في شبر أرض ولا يسلمون حصنا إلا بعد أن يدافعوا عنه دفاع الأبطال ، وبعد ألّا يبقى لهم على صد هجوم المسلمين قوة . خرج مرحب اليهودي من أحد الحصون وقد جمع للحرب سلاحه وأكمل عدته وهو يرتجز : قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرّب أطعن أحيانا وحينا أضرب * إذا الليوث أقبلت تحرّب « 1 » إن حماي للحمى لا يقرب * يحجم عن صولتي المجرب فصاح محمد بأصحابه : من لهذا ؟ فقال محمد بن مسلمة : أنا له يا رسول اللّه . أنا واللّه الموتور الثاثر ! قتل أخي بالأمس . وقام إليه بإذن النبي وتصاولا حتى كاد مرحب يقتله ، لكن ابن مسلمة اتقى سيفه بالدّرقة فوقع السيف فيها فعضّت به فأمسكته ، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله « 1 » . وكذلك كانت هذه الحرب بين اليهود والمسلمين ضروسا قاسية ، وكانت منعة حصون اليهود تزيدها شدة وقسوة . مبدأ يأس اليهود حاصر المسلمون حصن الزبير وطال حصارهم إياه وقاتلوا قتالا شديدا ، ومع ذلك لم يستطيعوا فتحه حتى قطعوا الماء عنه واضطروا اليهود فيه إلى الخروج منه وإلى قتال المسلمين قتالا انتهى بالأولين إلى أن يلوذوا بالفرار . وكذلك جعلت الحصون تقع واحدا بعد الآخر في أيدي المسلمين ، حتى انتهوا إلى الوطيح والسلالم بمنطقة الكتيبة وكانا آخر حصنين منيعين لهم . هنالك استولى على نفوسهم اليأس ، فطلبوا الصلح بعد أن حاز النبي أموالهم كلها بالشّقّ ونطاة والكتيبة ، على أن يحقن دماءهم . وقبل محمد وأبقاهم على أرضهم التي آلت له بحكم الفتح ، على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم .

--> ( 1 ) تحرب : تغضب . يقال : حربه إذا أغضبه .